يرى الباحث تسيغاآب أماري، في تقرير نشره موقع هورن ريفيو، أن التصعيد الأخير بين السودان وإثيوبيا لا يعكس مجرد خلاف حدودي عابر، بل يكشف محاولة يقودها الجيش السوداني لتوسيع نطاق الأزمة السودانية وتحويل الأنظار عن حالة الجمود العسكري والسياسي داخل البلاد. ويشير التقرير إلى أن القيادة العسكرية في الخرطوم تسعى إلى خلق رواية تقوم على “العدوان الخارجي” بهدف حشد الدعم الداخلي والإقليمي بعد أكثر من عامين من الحرب دون حسم.
وذهب التقرير الذي نشره موقع “هورن ريفيو” إلى أن اتهامات الخرطوم لإثيوبيا جزء من استراتيجية تهدف إلى تدويل الصراع السوداني وربطه بأطراف إقليمية مثل الإمارات ومصر، بدل معالجة جذور الأزمة السياسية والعسكرية داخل السودان نفسه.
تصعيد مع إثيوبيا للهروب من مأزق الحرب
استدعت الخرطوم سفيرها من أديس أبابا عقب اتهامات للجيش الإثيوبي بالتورط في هجمات بطائرات مسيرة استهدفت الخرطوم ومدنًا سودانية أخرى. وربطت القوات المسلحة السودانية تلك الهجمات بمطار بحر دار الإثيوبي، مع حديث عن تنسيق يتعلق بطائرات مسيرة مدعومة إماراتيًا.
لكن التقرير يرى أن هذا التصعيد يتجاوز البعد الأمني المباشر، إذ يواجه الجيش السوداني أزمة استنزاف متزايدة مع تصاعد الضغوط المتعلقة بالتجنيد وتراجع شرعيته في المناطق الطرفية، إضافة إلى اعتماده المتزايد على الطائرات الإيرانية المسيرة والمقاتلين الأجانب للحفاظ على توازنه العسكري.
ويقارن التقرير بين سلوك الجيش السوداني الحالي وتحركات جبهة تحرير تيغراي خلال حرب تيجراي، حين لجأت الأخيرة إلى تدويل الأزمة سياسيًا ودبلوماسيًا مع تعثر الحسم الميداني. ويبدو أن الفريق عبد الفتاح البرهان يحاول، وفق التقرير، إعادة إنتاج النموذج نفسه عبر تحويل النزاع إلى قضية إقليمية أوسع.
اتهامات متبادلة وشبكات إقليمية معقدة
رفضت إثيوبيا الاتهامات السودانية بشكل قاطع، وقدمت رواية مضادة تتهم الخرطوم بإيواء شبكات مرتبطة ببقايا مقاتلي تيغراي ومجموعات مسلحة تنشط قرب الحدود الغربية الإثيوبية. وأشارت أديس أبابا إلى وجود أدلة تتعلق بعمليات نقل سلاح ودعم مالي عبر مناطق النيل الأزرق وبني شنقول قمز.
ويلفت التقرير إلى أن وجود مقاتلين من تيجراي داخل السودان، وتحركهم عبر شبكات قريبة من الجيش السوداني، يعزز الشكوك الإثيوبية حول انخراط الخرطوم في دعم جماعات معادية لإثيوبيا. ورغم ذلك، اختارت أديس أبابا الرد دبلوماسيًا بدل الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
ويعتبر التقرير أن هذا السلوك الإثيوبي يعكس إدراكًا استراتيجيًا لخطورة فتح جبهة جديدة في وقت تواجه فيه إثيوبيا اضطرابات داخلية في أمهرة وتوترات مستمرة في تيغراي. كما تدرك القيادة الإثيوبية أن أي رد عسكري واسع قد يمنح الجيش السوداني الذريعة التي يبحث عنها لتوسيع الأزمة إقليميًا.
مصر والقرن الإفريقي في قلب المعادلة
يضع التقرير التوتر السوداني الإثيوبي ضمن سياق إقليمي أوسع يرتبط بأزمة سد النهضة والصراع على النفوذ في القرن الإفريقي. فالقاهرة تنظر إلى المشروع الإثيوبي باعتباره تهديدًا لأمنها المائي، وتسعى منذ سنوات إلى بناء شبكة ضغوط سياسية وعسكرية حول إثيوبيا.
ويربط التقرير بين الوجود العسكري المصري في الصومال، والتحركات المرتبطة بإريتريا، والتنسيق الأمني مع الجيش السوداني، باعتبارها حلقات ضمن استراتيجية تهدف إلى احتواء النفوذ الإثيوبي. كما يشير إلى أن قاعدة باجاك في جنوب السودان مثلت إحدى نقاط الضغط المهمة قبل إغلاقها مؤخرًا.
ويرى الباحث أن القرن الإفريقي يدخل مرحلة شديدة الخطورة مع تشابك الأزمات الداخلية والصراعات الإقليمية، إذ تتقاطع الحرب السودانية مع ملفات تيغراي والصومال وإريتريا وسد النهضة في معادلة معقدة قد تدفع المنطقة نحو مزيد من عدم الاستقرار.
ويختتم التقرير بالتأكيد على أن جذور الأزمة السودانية تبقى داخلية وليست مرتبطة بإثيوبيا أو غيرها، محذرًا من أن تحويل الحرب إلى مواجهة إقليمية لن يحل أزمات السودان السياسية والعسكرية، بل قد يفتح الباب أمام صراعات أوسع يصعب احتواؤها لاحقًا.
https://hornreview.org/2026/05/15/the-safs-alibi-war-and-the-regionalization-of-sudans-crisis/

